عبد القاهر الجرجاني
67
درج الدرر في تفسير القرآن العظيم
المبحث الرابع متفرقات المطلب الأول الناسخ والمنسوخ إن معرفة الناسخ والمنسوخ في القرآن العظيم له أهمية كبيرة ، تنبع من أهمية التشريع الآتية من هذا الكتاب الكريم المعجز ، واهتم العلماء بهذا النوع من أنواع علوم القرآن ، وتوسعوا فيه ، وأهميته يمكن إيجازها بما يأتي : 1 - أنه يكشف النقاب عن سير التشريع الإسلامي ، ويطلع الإنسان على حكمة اللّه تعالى في تربيته للخلق ، وسياسته للبشر ، وابتلائه لهم . 2 - أنه ركن عظيم في فهم الإسلام ، وفي الاهتداء إلى صحيح الأحكام ، خصوصا إذا ما وجدت أدلة متعارضة لا يندفع التناقض بينها إلا بمعرفة سابقها من لاحقها ، وناسخها من منسوخها . 3 - أنه تناول مسائل دقيقة ، كانت مثارا لخلاف الباحثين الأصوليين . « 1 » والمؤلف رحمة اللّه عليه منطلقا من أهمية هذا العلم ، تكلم عن النسخ بشكل موسع نوعا ما ، وذلك عند حديثه عن قول اللّه تعالى : * ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 106 ) [ البقرة : 106 ] . « 2 » تعريف النسخ عنده : « في اللغة : هو الإزالة والإزاحة ، آخذا ذلك من قول القائل : نسخت الشمس الظل ، والريح الأثر » « 3 » ، لكنه لم يبين كما بين غيره ممن تحدث عن النسخ بأن كلا من هاتين الجملتين تدل على معنى خاص : فالجملة الأولى : نسخت الشمس الظل ، إذا أزالته وحلت محله ، أي : أن النسخ هنا يكون ببدل ، بمعنى أن الشمس أزالت الظل فأذهبته ، وحلّت محله . أما الجملة الثانية : نسخت الريح الأثر : فهي بمعنى أن الريح أزالت الأثر ، بيد أنها لم تحل محله ، بل زالا جميعا ، فهو نسخ إلى غير بدل . « 4 »
--> ( 1 ) ينظر : مناهل العرفان 2 / 125 . ( 2 ) ينظر : الأصل ( 26 ظ ) . ( 3 ) الأصل ( 26 ظ ) . ( 4 ) ينظر : الناسخ والنسوخ للنحاس 57 ، والناسخ والمنسوخ لابن حزم 6 - 7 .